صفحات من تاريخ ظهور سلالات الخيول

إن نجاح الإنسان في استئناس الخيول بأماكن عديدة ومختلفة، قد أدى إلى التنوع الكبير في سلالاتها وأنواعها، فعلى سبيل المثال، كان النوع السائد في منطقة شمال غرب أوروبا، المعروفة بمناخها...

إن نجاح الإنسان في استئناس الخيول بأماكن عديدة ومختلفة، قد أدى إلى التنوع الكبير في سلالاتها وأنواعها، فعلى سبيل المثال، كان النوع السائد في منطقة شمال غرب أوروبا، المعروفة بمناخها الرطب، أقرب لمهور (إكسمور)، بينما في منطقة شمال أوراسيا المشهورة بطقسها البارد، كان النوع السائد فيها ذا وزن أثقل؛ أقرب لـ(هايلاند)، أما غرب آسيا، فعرفت بخيولها من النوع (القزويني) الأقل في الوزن، وتعد مساحات الاستبس بوسط آسيا الموطن الأصلي لخيول (أكحل تيكي)، والتي توجد هناك حتى يومنا هذا؛ وتعود أصول معظم الخيول الموجودة حاليًا إلى هذه الأنواع الأربعة الأساسية. وقام الإنسان بمحاولات لتحسين خصائصها من خلال التزاوج فيما بينها، فأصبحت لدينا عدة أنواع من الخيول؛ يضم كلا منها بعض السلالات:

حارة الدماء: الخيل العربية والثوروبرد.
وقد ظهر هذا النوع في بيئات تتميز بطقس دافئ، لذا يكون جلدها رقيقًا، كما تكون رؤوسها أصغر وأدق، وتساعدها قوائمها الطويلة والرشيقة على التخلص من حرارة الجسم الزائدة؛ وتمتاز الخيول من هذا النوع بحساسيتها وسرعة رد فعلها.

باردة الدماء: خيول الجر الثقيلة والمهور (خيول صغيرة الحجم ذات قوائم قصيرة).
وتمتاز خيول هذا النوع بالجسم الضخم والقوائم القصيرة للحفاظ على حرارة الجسم، ولها جلد سميك، وطبقة من الفراء عند أقدامها، كما أن شعرها القصير والخشن يحبس حوله طبقة عازلة من الهواء، وقد ظهرت كل هذه الصفات للتأقلم مع المناخ البارد الذي نشأت فيه؛ ولا تُفضِّل هذه الخيول إهدار طاقتها، فالموارد الغذائية محدودة في المناخ البارد مما يجعلها أسهل انقيادًا.

دافئة الدماء: خيول الرياضة والحمل.
وقد نشأ هذا النوع من تزاوج الخيول حارة الدماء مع باردة الدماء، في محاولة من المربين لإنتاج نوع جديد يحمل خصائص جيدة من كلا النوعين، كالسرعة واللياقة من الخيول حارة الدماء، والقوة والهدوء من خيول الجر.

وغني عن القول أن هذا التقسيم – كما هو واضح – لا يصف درجة حرارة الجسم، وإنما طباع الحصان وسرعته؛ فمثلاً خيول الثوروبرد أكثر حساسية وسرعة وذكاء من خيول الجر.

ومن خلال التزاوج بين السلالات، نتجت الخيول الأكبر والأثقل، والتي تعد حديثة نسبيًا، حيث لم يكن ارتفاع الحصان يتعدى 15 قبضة، إلا فيما ندر، في القرن السادس عشر؛ وقد شهد القرن الثامن عشر تقدمًا ملحوظًا في التزاوج حيث يتم انتقاء صفات بعينها لأغراض معينة.

الخيول في آسيا وأوروبا:
عندما وصلت قبائل السلت إلى بريطانيا، تزاوجت خيولها مع الأنواع الموجودة بالبيئة المحلية، ونتج عن هذا التزاوج المهر السلتي، والذي يعد بمثابة الجد الأكبر للعديد من سلالات الخيول البريطانية، مثل خيول دالس، كما جلب الرومان والغزاة الآخرون أنواعًا مختلفة من الخيول إلى بريطانيا.

ومنذ حوالي 6 آلاف عام، قام الرعاة باستعمال الخيل لأغراض الحمل والركوب، وقد تم اختراع العجلة عام 3500 قبل الميلاد تقريبًا، واستعملت في العربات، ثم ظهرت العجلات ذات البرامق، واستعملت في العربات التي تجرها حيوانات الأخدر (الحمار البري الآسيوي)، والتي كانت تفوق الحصان حجمًا في ذلك الوقت.

وقد بدأ الجنود بامتطاء صهوة الجياد في عام 1000 قبل الميلاد تقريبًا، كما وفرت الخيل وسيلة اتصال سريعة لنقل الرسائل التي يحملها السعاة؛ وقد اهتمت امبراطورية الفرس (300 – 500 ق.م) بفرق الخيالة السريعة خفيفة التدريع، ثم أتى (الإسكندر الأكبر) على صهوة جواده (بوسيفالوس) ليؤسس امبراطورية اليونان، والتي اجتاحها (أتيلا) ملك الهون (450 م)، حيث كان فرسانه يستعملون الركاب.

وقد ظهر الوهق (طوق الحصان) في عام 500م تقريبًا، مما أدى لزيادة كفاءة الجر وتحسين النقل، ومع ظهور الخيول الثقيلة، والتي لا يتجاوز ارتفاعها 15 قبضة، استطاع الفرسان ارتداء دروع أثقل، وقد ظهر خلال الحملات الصليبية التناقض بين فرسان أوروبا المدرعين على خيولهم الثقيلة، وفرسان العرب على خيولهم الرشيقة السريعة؛ وفي عام 1200م قام الامبراطور المغولي (جنكيز خان) باجتياح معظم قارة آسيا بجنوده على ظهور خيولهم الصغيرة. وكانوا يلعبون البولو في أوقات راحتهم.

وقد تأسست المدرسة الحديثة لركوب الخيل في عصر النهضة في مطلع القرن السادس عشر، بينما بدأ الصيد على ظهور الخيل في القرن الحادي عشر، وبحلول القرن الثامن عشر أصبح قفز الحواجز ضروريًا بعد صدور قوانين تحديد الملكية العامة، وقد تم إضفاء الصفة الرسمية على السباقات في عام 1750م.

ونشأت خيول الثوروبرد من نسل ثلاثة فحول عربية هي (دارلي العربي)، (بيرلي التركي) و(جودولفين العربي)، والتي كانت قد جُلبت لبريطانيا بغرض التزاوج في أعوام 1704، 1690، 1728 على التوالي.

وتعود أهمية الخيول في المجال العسكري إلى سلاح الفرسان، الذي ظل بالخدمة حتى أربعينات القرن الماضي، واستخدم الجيش البريطاني بغال حمل الأمتعة للمرة الأخيرة عام 1975م. أما في مجال الزراعة فقد كانت الخيول ضرورية منذ القرن الثامن عشر وحتى خمسينات القرن الماضي.

الخيول في أمريكا:
خلال القرن السادس عشر، وصل الإسبان إلى أمريكا الشمالية عن طريق البحر، برفقة خيولهم؛ وهكذا أُعيد إدخال الخيول إلى موطنها الأصلي والذي اختفت منه قبل ذلك. وقد لعبت هذه الخيول دورًا محوريًا في استيطان هذه القارة، وقد هرب البعض منها إلى البرية ليؤسس قطعان الخيول البرية، والتي قام السكان الأصليون باستئناسها وترويضها فيما بعد، كما قام المستوطنون الأوائل باستكشاف الغرب على صهوة جيادهم.

وقد استعملت الخيول أيضًا لجر عربات الركاب الشهيرة، ونقل مواد البناء من مكان لآخر، كما استعملت لنقل البريد السريع من كاليفورنيا إلى ميسوري عبر طريق يبلغ طولها 2000 ميل تقريبًا، تتخللها محطات للراحة، وتستغرق هذه الرحلة 8 أيام.

أما في الغرب الأوسط، فقد سخرت الخيول للعمل في الحقول والمزارع، ونتيجة استعمال أدوات ومعدات أقوى، ظهرت الحاجة لخيول أقوى وأكبر. وقد جلب بعض المزارعين خيول جر من كندا لهذا الغرض.

المصدر: كتاب Horse and Stable Management

نبذة عن أحمد عبد اللطيف